السيد عباس علي الموسوي

35

شرح نهج البلاغة

صفة خلق ادم عليه السلام ثمّ جمع سبحانه من حزن الأرض وسهلها ، وعذبها وسبخها ، تربة سنّها بالماء حتّى خلصت ، ولاطها ، بالبلّة حتّى لزبت ، فجبل منها صورة ذات أحناء ، ووصول ، وأعضاء وفصول : أجمدها حتّى استمسكت ، وأصلدها حتّى صلصلت ، لوقت معدود ، وأمد معلوم ثمّ نفخ فيها من روحه فمثلت إنسانا ذا أذهان يجيلها ، وفكر يتصرّف بها ، وجوارح يختدمها ، وأدوات يقلّبها ، ومعرفة يفرق بها بين الحقّ والباطل ، والأذواق والمشامّ ، والألوان والأجناس ، معجونا بطينة الألوان المختلفة ، والأشباه المؤتلفة ، والأضداد المتعادية ، والأخلاط المتباينة ، من الحرّ والبرد ، والبلّة والجمود ، واستأدى اللّه سبحانه الملائكة وديعته لديهم ، وعهد وصيتّه إليهم ، في الإذعان بالسّجود له ، والخنوع لتكرمته ، فقال سبحانه : وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا اعترته الحميّة ، وغلبت عليه الشّقوة ، وتعزّز بخلقة النّار ، واستوهن خلق الصّلصال ، فأعطاه اللّه النّظرة استحقاقا للسّخطة ، واستتماما للبليّة ، وإنجازا للعدة ، ، فقال : قالَ فَإِنَّكَ مِنَ . الْمُنْظَرِينَ إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ . ثمّ أسكن سبحانه آدم دارا أرغد فيها عيشه ، وآمن فيها محلتّه ، وحذرّه إبليس وعداوته ، فاغترهّ عدوهّ نفاسة عليه بدار المقام ، ومرافقة الأبرار ، فباع اليقين بشكهّ ، والعزيمة بوهنه ، واستبدل بالجذل وجلا ، وبالاغترار ندما . ثمّ بسط اللّه سبحانه له في توبته ، ولقاّه كلمة رحمته ، ووعده المردّ إلى جنتّه ، وأهبطه إلى دار البليّة ، وتناسل الذّرّيّة .